أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

54

الكامل في اللغة والأدب

المحمود قول الشاعر : طليق اللّه لم يمنن عليه * أبو داود وابن أبي كثير ولا الحجّاج عيني بنت ماء * تقلّب طرفها حذر الصقور وهذا غاية في صفة الجبان ، ونصب عيني بنت ماء على الذم وتأويله أنه إذا قال : جاءني عبد اللّه الفاسق الخبيث . فليس يقول : إلا وقد عرفه بالخبث والفسق ، فنصبه بأعني وما أشبهه من الأفعال نحو أذكر ، وهذا أبلغ في الذم أن يقيم الصفة مقام الاسم . وكذلك المدح . وقول اللّه تبارك وتعالى : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ « 1 » . بعد قوله لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ « 2 » إنما هو على هذا ، ومن زعم أنه أراد ومن المقيمين الصّلاة فمخطئ في قول البصريين لأنهم لا يعطفون الظاهر على المضمر المخفوض ، ومن أجازه من غيرهم فعلى قبح كالضرورة . والقرآن إنما يحمل على أشرف المذاهب . وقرأ حمزة : الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ « 3 » وهذا مما لا يجوز عندنا إلا أن يضطرّ إليه شاعر كما قال : فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والأيام من عجب وقرأ عيسى بن عمرو امْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ أراد وامرأته فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ « 4 » فنصب حمّالة على الذم ، ومن قال : إن امرأته مرتفعة بقوله : سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ « 5 » فهو يجوز ، وليس بالوجه أن يعطف المظهر المرفوع على المضمر حتى يؤكّد نحو فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا « 6 » و اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فأما قوله : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا « 7 » فإنه لما طال

--> ( 1 ) سورة النساء : الآية رقم 162 . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية رقم 7 . ( 3 ) سورة النساء : الآية 1 . ( 4 ) سورة المسد : الآية رقم 5 . ( 5 ) سورة المسد : الآية رقم 4 . ( 6 ) سورة المائدة : الآية رقم 24 . ( 7 ) سورة الأنعام : الآية رقم 148 .